top of page

الاقتصاد غير المهيكل في المغرب: هل نحتاج إلى المزيد من الضرائب… أم المزيد من الثقة؟


بقلم: هشام القادي



في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول الاقتصاد غير المهيكل في المملكة المغربية، يُطرح الملف غالبًا من زاوية ضيقة تختزل المشكلة في “التهرب الضريبي” أو “الخسائر المالية” التي تتحملها الدولة.


لكن، من وجهة نظري كمغربي من مغاربة العالم، ورجل أعمال، ومهتم بقضايا التنمية والتعاون الاقتصادي، أعتقد أن مقاربة هذا الملف تحتاج إلى قدر أكبر من الواقعية والعمق.

لأن الاقتصاد غير المهيكل في المغرب ليس مجرد نشاط خارج القانون، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس مباشر لاختلالات اجتماعية واقتصادية تراكمت لسنوات طويلة.

ورغم ما يسببه هذا الاقتصاد من:

  • ضعف للحماية الاجتماعية،

  • ومنافسة غير عادلة للمقاولات المهيكلة،

  • وخسائر ضريبية مهمة للدولة،

فإن اختزال ملايين المواطنين في صورة “متهربين” سيكون خطأً استراتيجيًا كبيرًا...الحقيقة أن جزءًا واسعًا من هذا الاقتصاد هو “اقتصاد نجاة”، اقتصاد خلقه الفقر أحيانًا، والبطالة أحيانًا أخرى، وتعقيد المساطر في أحيان كثيرة.

هناك حرفي بسيط يخشى التسجيل لأنه يعتقد أن دخوله المنظومة الرسمية يعني فقط الضرائب والمراقبة.


وهناك تاجر صغير لا يثق أصلًا في أن الدولة ستمنحه مقابل ذلك حماية أو امتيازات حقيقية.


وهناك شباب يشتغلون بشكل غير مهيكل لأنهم لم يجدوا أصلًا طريقًا واضحًا نحو الإدماج الاقتصادي الرسمي.

من هنا، أرى أن المغرب لا يحتاج فقط إلى تشديد الرقابة، بل يحتاج قبل ذلك إلى بناء الثقة.


الثقة هي المفتاح الحقيقي.

لا يمكن مطالبة المواطن بالاندماج في الاقتصاد الرسمي دون أن يشعر أن هذا الاندماج سيمنحه:

  • تغطية صحية حقيقية،

  • حماية اجتماعية،

  • إمكانية التمويل،

  • تسهيلات إدارية،

  • وفرصة للنمو والاستقرار.

أما إذا ظل الإدماج مرتبطًا فقط بالضرائب والعقوبات، فسيستمر جزء كبير من الاقتصاد في الهروب نحو الهامش.

المغرب اليوم أمام فرصة تاريخية لإطلاق مقاربة جديدة أكثر ذكاءً وواقعية مقاربة تقوم على الإدماج التدريجي بدل الصدام.


أنا شخصيًا أؤمن بأن الحل لا يكمن في “مطاردة” الاقتصاد غير المهيكل، بل في تحويله إلى اقتصاد منتج ومندمج.

ويمكن تحقيق ذلك عبر خطوات عملية واضحة، منها:

  • اعتماد نظام ضريبي انتقالي مبسط ومخفض للمشاريع الصغيرة جدًا،

  • تسهيل التصريح الرقمي عبر الهاتف،

  • ربط الإدماج بالحماية الاجتماعية بشكل مباشر،

  • توفير تمويلات صغيرة ومواكبة حقيقية،

  • وإنشاء فضاءات اقتصادية منظمة للحرفيين والتجار الصغار.


كما أرى أن لمغاربة العالم دورًا مهمًا في هذا النقاش، فالكثير من الكفاءات المغربية بالخارج راكمت خبرات مهمة في مجالات:

  • الرقمنة،

  • الإدماج الاقتصادي،

  • الاقتصاد المحلي و ريادة الأعمال،

  • التنظيم الضريبي الذكي.

ويمكن للمغرب أن يستفيد من هذه الخبرات في صياغة نموذج أكثر توازنًا بين متطلبات الدولة وواقع المجتمع.

المشكل الحقيقي ليس وجود اقتصاد غير مهيكل فقط، بل استمرار وجود مواطن يشعر أنه خارج المنظومة الاقتصادية الرسمية، وخارج فرص الصعود والاستقرار.


لهذا، فإن نجاح المغرب في هذا الورش لن يُقاس فقط بحجم الضرائب المحصلة، بل بعدد المواطنين الذين سيشعرون لأول مرة أن الدولة لا تأتي فقط لتحصيل الأموال، بل أيضًا لخلق الفرص وحماية الكرامة الاقتصادية والاجتماعية.

إن بناء اقتصاد قوي لا يتم فقط عبر المشاريع الكبرى والاستثمارات الضخمة فقط، بل أيضًا عبر إدماج البائع الصغير، والحرفي، وصاحب المشروع البسيط، داخل دورة اقتصادية عادلة ومحفزة.

لأن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر الجميع أنهم جزء من الوطن الاقتصادي… وليسوا خارجه.

Comments


bottom of page