هل كانت هذه الولاية فرصة ضائعة؟ قراءة صريحة في حصيلة الحكومة
- El Cadi Hicham
- 13 hours ago
- 3 min read

مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يصبح من المشروع، بل من الضروري، الانتقال من منطق التبرير والتفسير إلى منطق التقييم والمحاسبة. فالحكومات تُقاس في نهاية المطاف بحصيلتها، لا بنواياها، ولا بحجم وعودها، ولا بكثافة خطابها.
خلال هذه الولاية، لا يمكن إنكار أن المغرب واصل ترسيخ عدد من الاختيارات الاستراتيجية الكبرى، خاصة في مجالات الصناعة، والاستثمار، والبنيات التحتية، والطاقات المتجددة. وهي مسارات تعكس استمرارية في توجه الدولة، وتمنح البلاد موقعًا متقدمًا نسبيًا داخل محيطها الإقليمي، كما تعزز جاذبيتها على مستوى الاستثمار الدولي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، مع اقتراب نهاية هذه المرحلة، هو: هل نجحت الحكومة في تحويل هذه الاختيارات إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس ومتوازن؟
الجواب، بصراحة، مركب.
فعلى مستوى الصناعة، تم الحفاظ على جاذبية المغرب للاستثمارات الكبرى، حيث تجاوزت صادرات قطاع السيارات 130 مليار درهم سنويًا، ليصبح القطاع الأول من حيث التصدير.ورغم هذا الأداء، لم يتحقق اختراق كافٍ في إدماج المقاولة الوطنية داخل سلاسل الإنتاج، إذ لا تزال نسبة الإدماج المحلي في عدد من الصناعات دون المستوى المطلوب، وهو ما يحد من تعميم الأثر داخل الاقتصاد.
وفي ملف الاستثمار، ورغم دخول الميثاق الجديد للاستثمار حيز التنفيذ، والذي يهدف إلى تعبئة ما يفوق 550 مليار درهم من الاستثمارات وخلق حوالي 500 ألف منصب شغل، فإن التحدي الحقيقي لا يزال في التنفيذ. فالمستثمر لا يقيّم النصوص، بل يقيس الزمن، والوضوح، وسلاسة المساطر، وهي عناصر لا تزال تعاني من تعقيد وتعدد في المتدخلين.
أما السياحة، فقد سجلت المملكة أكثر من 14 مليون سائح سنويًا، وهو رقم يعكس جاذبية الوجهة المغربية.لكن هذا الأداء الكمي لا يوازيه دائمًا تحسن نوعي في جودة التجربة، حيث يظل التفاوت في الخدمات والتأهيل أحد أبرز نقاط الضعف في تنافسية القطاع.
وفي القطاع الفلاحي، يستهلك هذا المجال حوالي 80% من الموارد المائية، في وقت تراجع فيه مخزون السدود في فترات متعددة إلى أقل من 30%، وهو مؤشر مقلق يفرض إعادة النظر في النموذج الفلاحي المعتمد، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف.
أما في ملف التشغيل، فقد تجاوز معدل البطالة 12% على المستوى الوطني، مع نسب أعلى بكثير لدى الشباب، وهو ما يعكس استمرار اختلال بنيوي في العلاقة بين منظومة التكوين وسوق العمل، دون إصلاح عميق يعالج جوهر المشكلة.
وفي التعليم، ورغم تعدد البرامج، لا يزال الأثر محدودًا على مستوى جودة المخرجات، مما يضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج كفاءات تنافسية، ويعمّق الفجوة بين التكوين واحتياجات السوق.
وفي قطاع الصحة، يستفيد اليوم أكثر من 22 مليون مغربي من نظام الحماية الاجتماعية، وهو إنجاز مهم، لكنه يقابَل بضغط متزايد على منظومة تعاني من نقص في الموارد البشرية، حيث لا يتجاوز معدل الأطباء حوالي 7 أطباء لكل 10,000 نسمة، وهو رقم دون المعدلات الدولية.
أما في مجالي النقل واللوجستيك، كما في الطاقة، فإن التحدي لم يعد في إطلاق المشاريع، بل في كلفتها وتأثيرها المباشر على تنافسية المقاولة، التي لا تقيس النجاح بعدد المشاريع، بل بقدرتها على تخفيض التكاليف وتحسين بيئة الإنتاج.
لكن، إذا كان هناك ملف يعكس بوضوح محدودية الرؤية الحكومية خلال هذه الولاية، فهو ملف مغاربة العالم.
فرغم أن تحويلاتهم المالية تجاوزت 110 مليار درهم سنويًا، ظل التعاطي الحكومي معهم محصورًا في هذا البعد المالي، عبر خطاب تقليدي يتكرر في كل مناسبة: “مرحبا بكم في بلادكم”.
هذا الخطاب، في حد ذاته، لم يعد كافيًا.
مغاربة العالم اليوم يمثلون رصيدًا استراتيجيًا من الكفاءات والخبرات، المنتشرة في مؤسسات دولية وشركات كبرى، ومع ذلك لا نجد تصورًا واضحًا لإدماجهم في السياسات العمومية، أو في مؤسسات الحكامة، أو حتى في دوائر القرار.
بل إن مشاركتهم السياسية لا تزال محدودة بشكل غير مبرر، وكأن المطلوب منهم أن يظلوا داعمين من الخارج، دون أن يكونوا شركاء في الداخل.
وهذا التعاطي، بصراحة، لا ينسجم مع مستوى التوجيهات الملكية التي أكدت مرارًا على ضرورة إشراك مغاربة العالم والاستفادة من خبراتهم.
أما الإدارة العمومية، فقد ظلت خلال هذه الولاية أحد أبرز نقاط الضعف، حيث استمرت إشكالات بطء المساطر، وتعدد المتدخلين، وضعف التنسيق، رغم الحديث المتكرر عن الرقمنة.
في المحصلة، يمكن القول إن هذه الحكومة اشتغلت في إطار استمرارية الدولة، وساهمت في الحفاظ على عدد من المكتسبات، لكنها لم تنجح بالقدر الكافي في إحداث التحول المطلوب على مستوى الأثر والنجاعة.
الفرق بين التسيير والتحول، هو ما سيحدد الحكم الحقيقي على هذه المرحلة.
ومع اقتراب نهاية الولاية، يبقى السؤال الأهم:هل ستُسجل هذه الحكومة كمرحلة تدبير عادية، أم كمرحلة كان يمكن أن تكون نقطة تحول ولم تكن؟
الجواب لن يُكتب في الخطابات،بل في تقييم الحصيلة… وفي ذاكرة المواطن.
وفي تقديري، إن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق تقييم الحكومات إلى منطق مساءلة الاختيارات، ومن ثقافة التدبير اليومي إلى بناء رؤية تنفيذية صارمة تُقاس بالأثر لا بالوعود. فالمغرب لا تنقصه الكفاءات ولا الإمكانيات، بل يحتاج إلى إرادة أقوى في ربط المسؤولية بالنتائج، وإلى انفتاح حقيقي على كل طاقاته، داخل الوطن وخارجه، دون إقصاء أو تردد.
إن إشراك الكفاءات، وخاصة من مغاربة العالم، لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لرفع جودة القرار العمومي وتعزيز فعالية السياسات.
هشام القادي : خبير في التنمية والتعاون الدولي و رائد أعمال

Comments