ليست الحكاية أنها امرأة … إنه التاريخ 🇲🇦
لم تنتظر المرأة المغربية القرن الحادي والعشرين حتى تدخل التاريخ.
من فاطمة الفهرية، التي ارتبط اسمها بالقرويين وإشعاع فاس العلمي، إلى زينب النفزاوية في قلب الدولة المرابطية، وصولًا إلى السيدة الحرة التي حكمت تطوان وخاطبت زمنها من موقع السلطة والقرار؛ لم تكن المرأة في تاريخ المغرب مجرد شاهدة على الأحداث، بل كانت، في لحظات كثيرة، من صانعيها.
واليوم يكتب المغرب صفحة أخرى: امرأة على رأس الحكومة.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، انتصارًا رمزيًا للمرأة. لكنه أكبر من ذلك. فالدول لا تتقدم فقط حين تفتح أبواب المسؤولية أمام النساء، بل حين يصبح وصول امرأة إلى أعلى المسؤوليات أمرًا طبيعيًا، لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى دهشة.
وفاطمة الزهراء المنصوري لا تصل إلى هذه المسؤولية من فراغ. وراءها سنوات من السياسة والتدبير والعمل الحزبي والحكومي. وأمامها الآن ما هو أصعب من الوصول: أن تقود، وأن تنجز، وأن تترك أثرًا.
ولهذه اللحظة عندي معنى يتجاوز السياسة؛ فهذا مسار كنت يومًا جزءًا منه، شاركت في بعض محطاته، وحملت شيئًا من آماله، قبل أن تأخذني المسافات والظروف إلى مواقع أخرى. لذلك لا أنظر إلى هذه اللحظة من خارجها تمامًا، ولا أستطيع أن أقرأها ببرودة المراقب.
لكن القرب من التجربة لا يعني منحها شيكًا على بياض، بل ربما يجعل سقف الانتظار أعلى.
فالسلطة ليست مكافأة للأحزاب.
السلطة امتحانها الأكبر.
والمغاربة اليوم لا يحتاجون إلى حكومة تتقن صناعة الخطاب بقدر حاجتهم إلى حكومة تتقن صناعة الأثر: مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كرامة، وإدارة تحترم المواطن، واقتصاد يخلق الفرص، وعدالة مجالية تجعل ثمار التنمية تصل إلى مختلف جهات المملكة.
وسيكون من الخطأ أن نحاكم التجربة المقبلة باعتبارها «حكومة امرأة». ففاطمة الزهراء المنصوري لا تحتاج إلى امتياز لأنها امرأة، ولا إلى قسوة إضافية لأنها امرأة.
تحتاج إلى فرصة كاملة.
ثم إلى محاسبة كاملة.
فالتاريخ لا يتذكر طويلًا من وصل إلى المناصب، بقدر ما يتذكر ماذا فعل بها.
من السيدة الحرة التي حكمت تطوان قبل قرون، إلى امرأة تتولى اليوم رئاسة حكومة المملكة، قطع المغرب طريقًا طويلًا.
لكن أجمل ما يمكن أن تحققه هذه التجربة ليس أن نقول بعد سنوات إن المغرب عرف أول امرأة رئيسة للحكومة، بل أن تصبح صفة «أول امرأة» تفصيلًا صغيرًا أمام حجم ما أنجزته.
عندها لن يكون الإنجاز أن امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة، بل أن امرأة تولت المسؤولية، ومارستها بكفاءة، وتركت أثرًا يذكره المغاربة.
فالمناصب تصنع اللحظة، أما الإنجاز وحده فيصنع التاريخ.




Comments